قصة قصيرة: الهوية
   

قصة قصيرة: الهوية






نسرين إدريس‏
اقترب يحيى البالغ من العمر أربعة عشر عاماً من جده الجالس على مصطبة أمام المنزل يحمل بين أصابعه سبحةً تنساب بهدوء، وجلس بالقرب منه متأففاً، حانقاً على ضيق المطرح الذي لا مكان فيه للّعب؛ حيطان ملاصقة لحيطان، وزواريب ضيقة لا تسع لسيارة وشخص معاً:"أف ما أضيق المُخيّم"، قالها وسرعان ما وقف أمام جده: "إنتَ عشت هون يا جدي بهالمطرح يلّي ما فيه شمس، وعم تاكله الرطوبة؟! أخذه جده بين ذراعيه، ومسح رأسه بيده المجعدة بخطوط الزمن، واسند رأسه على الحائط المتشقق من أثر الحرب: آه، لو أنك يا يحيى تلعب بالأرض يلي لعبت فيها.. حقول زيتون.. وبيت كبير عمرتو حد بيت أهلي لما تزوجت ستك المرحومة.."
 


يحيى: وين هالدار.. بفلسطين؟!
بكى الجدُّ: إيه بفلسطين..
يحيى: إيمتى رح نرجع عَ دارنا يا جدي..
الجد: لمّا ينتصر الحجر..
يحيى: خبرني شو بقي معك من ماضي فلسطين.
الجد: قوم معي لتشوف الشي‏ء الوحيد يلي بقي معي..

أمسك بيد يحيى ودخلا إلى غرفة النوم، فتح الجدُّ دُرْجاً قديماً مقفلاً، لا يحتاج إلى مفتاح كي يفتح لتخلخله الواضح، وحمل ألبوم صور وراح ينظر إليها بحنين وشوق ويعرّف يحيى الصغير على أقاربه: هيدا عمي قتله اليهود بمجزرة دير قاسم، وهيدي عمتي هي الآن في الأردن.. وهيدول أهل أمك اللَّه يرحمهم، وهيدا أبوك وأمك، تهجرنا من فلسطين بعد ما تزوجوا بشهرين.. وهيدي هويتي الفلسطينية..

يحيى: يا يا جدي.. أتاريك معاك كنز وأنا ما أدري.. وحمل الهوية المغلفة جيداً بين يديه، وراح يقرأها بتمهل حتى صرخ: الجنسية: فلسطينية.. فلسطينية ما بدي احمل ورقة لاجئ.. لمّا ينتصر الحجر..
يحيى: كل يوم عم يسقط شهداء وما حدا عم يسأل.. لأيمتى رح نبقى هيك؟!.
الجد: قلتلك لمّا ينتصر الحجر بإذن اللَّه.. مثل ما انتصرت المقاومة هون بلبنان رح ننتصر.. هيك وعدنا الله والسيد حسن نصر الله..

ترك يحيى جده، وركض إلى الشارع الضيق، وهو يصرخ لأصدقائه بأسمائهم حتى اجتمعوا كلهم أمام منزل أحدهم، واخذوا يتجاذبون حديثاً حرصوا على أن لا يسمعهم أحد، وكان يحيى يدون معلومات يسألها لكل واحد على حدة، وسرعان ما افترقوا على أن يلتقوا بعد صلاة العشاء.. عاد يحيى إلى المنزل، فوجد جده نائماً بينما أمه تخيط بعض الثياب التي تبيعها لتساعد زوجها في المصاريف التي لا تنتهي.. دخل خلسة إلى غرفة النوم، وأخذ ألبوم الصور وسحب منه هوية جده، وجلس على طاولة صغيرة محاولاً أن ينسخها بدقة، وما إن انتهى من النسخة الأولى حتى أعاد الأصلية إلى مكانها، وانتظر موعده مع رفاقه بفارغ الصبر.. لم يخبر يحيى جده بما فعل، بل اكتفى بالنظر إليه بين حينٍ وآخر وهو يتنقل بعصبية من الخارج إلى الداخل وبالعكس.. وما إن أدى فريضة العشاء حتى استأذن والدته بالخروج، وخبأ البطاقة بيده جيداً وتوجه إلى رفاقه.. التقى الأصدقاء في منزل صديقهم مازن الذي توجه بدوره إلى مكتبة قريبة، وقام باستنساخ عدد من البطاقات التي رسمها يحيى، وعاد مسرعاً ليسلم كل واحدٍ منهم بطاقة ليملأها بالبيانات الشخصية.. في اليوم التالي قصد يحيى المكتبة ليجلّد البطاقات حتى تُحفظ لأطول مدة ممكنة، وعندما عاد إلى البيت، التقى بجده الجالس أمام الدار يرتشف القهوة، فسأله: وين كنت يا يحيى:
يحيى: كنت.. كنت عم جيب هوية فلسطينية إلي ولرفقاتي..


دهش الجد من جوابه: ومنين الهويات الفلسطينية..
يحيى: أنا عملتها مع رفقائي.. نسختها مبارح وأنتَ نايم..
واقترب من جده وقبل يده: سامحني لأني فتحت البوم الصور قبل ما قلك.. خفت ما تخليني.. أنا ورفقاتي كلنا حابين يكون معنا هويات فلسطينية مش ورقة لاجئين.. نحن بدنا نرجع عَ وطنا ودارنا، بس مش بالمفاوضات، بالسلاح يا جدي، بالسلاح.. حلّها الشمس تطلع عَ وجوهنا.. وفجأة ظهر رفاق يحيى وهم ملثمين بكوفيات ويحملون علم فلسطين ومقالع حجارة، فنادوه ليلتحق بهم، فدخل إلى البيت مسرعاً، وجاء بكوفيته ومقلاعه، وركض وهو يضعها على وجهه والتحق برفاقه الذين علت أصواتهم وهم يصرخون "حزب الله يا عيوني.. دمّر كريات شمونه"..
 

 
31 - 07 - 2016
القرآت : 1629
القسم : الواحة الأدبية


التعليقات
كن أول من يعلق على الموضوع


نرجو منكم الالتزام بإطار الانتقاد الذي لا يجرح وعدم التجاوز فى الطرح , سواء بالاستهزاء المبطن , او التجاوز على حقوق الآخرين لاختلاف وجهات النظر
الأسم: الحقل مطلوب.
البريد الألكتروني: الحقل مطلوب.خطأ في صيغة البريد الألكتروني
التعليق :
 الحقل مطلوب.أقل عدد خمسةأحرف.تجاوز العدد المطلوب.
 

 

مواضيع أخرى.... 

•حكاية مثَل عربي: أحمق من هبنّقة
تقول العرب: أحمق من هبنّقة. فمن هذا الرجل؟

2017-08-10 07:45:25


* عقد خالصة
كان لأحد الخلفاء جارية ليست جميلة تُدعى "خالصة"، ولكن الخليفةَ كان يحبُّها كثيراً، فأهداها عقداً ثميناً. وفي أحد الأيام جاء إليه أحد الشعراء فمدحه بقصيدة رائعة طمعاً في أن يُجزل له الخليفة في العطاء، فلم يفعل الخليفة، فغضب الشاعر وكتب -وهو خارج- على باب القصر:

2017-07-27 07:52:58


استهلال:

  لقد ولدنا في قسوة العالم والحياة، والى هذا أضفنا قسوة الكائن البشري وقسوة المجتمع الإنساني 1.

2017-02-01 07:37:53


حاتم حميد محسن

  يحلل برتراند رسل ادّعاءات الفلاسفة في قدرتهم على استخدام الاستدلال الميتافيزيقي لإثبات القضايا الميتافيزيقية الهامة مثل العقائد الدينية، العقلانية الاساسية للكون، أوهام المادة، عدم واقعية الشر وغير ذلك. رسل يؤكد على عبث محاولات التفكير هذه لأن الميتافيزيقا حسب رأيه لا تستطيع بلوغ المعرفة بشأن الكون ككل. هو يسعى هنا لإختبار هذه الرؤى الافتراضية ليستدل في النهاية على حدود الفهم والمعرفة الفلسفية.

2017-02-01 07:32:30


فاطمة برّي بدير

* العقرب والعجوز
كان عجوز حكيم يجلس أمام النهر ويتأمّل الطبيعة حين لمحت عيناه عقرباً وقع في الماء. أخذ العقرب يحاول إنقاذ نفسه، فقرّر العجوز مساعدته. نهض ومدّ يده، لكنّ العقرب لسعه. سحب العجوز يده متألّماً، لكنه بعد دقيقة واحدة مدّ يده ثانية لينقذه فلَسعه العقرب. سحب يده صارخاً من الألم، ثم حاول للمرّة الثالثة أن ينقذ العقرب اللسّاع من الموت!

2017-02-01 07:24:58


فاطمة بري بدير
* آراء ومواقف لغويّة
1- روي أن شاعرَين تنافسا واحتكما إلى بشار بن بُرد، فاستمع إلى أحدهما ولم يعجبه شعره، فقال له: لعلك من بيت النبوة؟ ففرح هذا الأخير لما يعنيه التشبيه ببيت النبوّة من حيث الفصاحة والبلاغة، لكنّ بشّاراً كان يشير إلى الآية الكريمة: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ (يس: 69).

2017-01-11 06:50:51


قصة الطالب الكهل، يرويها لكم الشيخ مرتضى مطهري في كتابه "قصص الأبرار":

كان السكاكي في بداية أمره حدادا، فصنع ذات يوم محبرة صغيرة من حديد وجعل لها قفلا عجيبا وأهداها إلى ملك زمانه.

2017-01-08 08:39:13


اقتربَتْ بخطىً بطيئة نحو مهْد حامد، تأكّدَتْ أنّ حرارته قد انخفضت، قدّمت له الدواء بأصابع مرتجفة وسرعان ما غطّ سريعاً في نوم عميق.. تسلّلتْ بهدوء وأغلقتِ الباب خلفها ثمّ توجّهتْ نحو المطبخ حيث كانت والدتها تتوضّأ لتصلّي الفجر. 

2016-09-18 12:25:00


وئام أحمد
كثيرةٌ هي المآسي التي ولّدتها الحروب، قتْل، تهجير، تيتيم أطفال، ترميل الزوجات... واللائحة تطول... فعندما نقلّب صفحات التاريخ، نتذكّر هذه القصص الحزينة، فنتألّم، ويتلاشى الألم مع إغلاق الكتاب....

2016-09-18 11:36:06


1 - استمعه ، استمع له ، استمع إليه :
ويخطـئ من يقول :
استمعه ( سمع و أصغى ) ، ويقول إن الصواب هو : استمع له أو استمع إليه : ( القاموس ، ومحيط المحيط ، وأقرب الموارد ، والمتن )

2016-08-21 13:40:42


نسرين إدريس‏
اقترب يحيى البالغ من العمر أربعة عشر عاماً من جده الجالس على مصطبة أمام المنزل يحمل بين أصابعه سبحةً تنساب بهدوء، وجلس بالقرب منه متأففاً، حانقاً على ضيق المطرح الذي لا مكان فيه للّعب؛ حيطان ملاصقة لحيطان، وزواريب ضيقة لا تسع لسيارة وشخص معاً:"أف ما أضيق المُخيّم"، قالها وسرعان ما وقف أمام جده: "إنتَ عشت هون يا جدي بهالمطرح يلّي ما فيه شمس، وعم تاكله الرطوبة؟! أخذه جده بين ذراعيه، ومسح رأسه بيده المجعدة بخطوط الزمن، واسند رأسه على الحائط المتشقق من أثر الحرب: آه، لو أنك يا يحيى تلعب بالأرض يلي لعبت فيها.. حقول زيتون.. وبيت كبير عمرتو حد بيت أهلي لما تزوجت ستك المرحومة.."
 

2016-07-31 09:38:25


 

كتاب تعليم اللغة الفارسية 



كتاب تعليم اللغة الفارسية بصيغة فلاش


2017-09-20 11:27:13

فيديو
محاضرات نشاطات

آخر التعليقات

مؤسسة النخب الأكاديمية

السلام عليكم أخوتنا الأعزاء لتنزيل الكتاب بصيغة بي دي أف انقر باليمين على (( الكتاب بصيغة PDF)) في أعلى الصفحة

أو الرابط التالي http://www.alnukhab.com/farsibook1_flip/farsibook1.pdf

وأختر حفظ باسم ثم اختر المكان المناسب لحفظ الملف ..

الكتاب متوفر للبيع لدى سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بغداد حصراً ولكم الشكر

مؤسسة النخب الأكاديمية

حول كتاب تعليم اللغة الفارسية

بدر

ارجو إرسال نسخة من الكتاب على بريدى الاكترونى ولكم جزيل الشكر

حول كتاب تعليم اللغة الفارسية

بدر

الأخ /الأخت المسؤولة … حاولت داونلود الكتاب المذكور دون جدوى ، ارجو ان مساعدتي فى الحصول عليه ، بإرساله لى على بريدى الاكتروني ولكم جزيل الشكر … تحياتي د.نافع بدر

حول كتاب تعليم اللغة الفارسية

امل

السلام عليكم زرت العراق وبحثت في كربلاء وبغداد عن الكتاب ولم احصل عليه اين يمكنني الحصول عليه ولكم جزيل الشكر

حول كتاب تعليم اللغة الفارسية

دموع الزهراء جاسم

سلام عليكم ورحمة الله اني احب اللغه الفرسيه ... وريد اتعلمه ... وريد الكتاب ... لكن رابط الفلاش لا يعمل على من الممكن ارفاقه كملف pdf يكون اسهل واسرع للاستخدام شكرا جزيلا مع تحياتي الكم ... اود الحصول على الكتاب

حول كتاب تعليم اللغة الفارسية





الأخبار من المراقب العراقي




عدد الزائرين الآن 10